ابن قيم الجوزية
328
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
إلا بإذن من الرحمن خالقنا * إلى الشفيع . كما قد جاء في الآيات ولست أملك شيئا دونه أبدا * ولا شريك أنا في بعض ذرات ولا ظهير له ، كي يستعين به * كما يكون لأرباب الولايات والفقر لي وصف ذات لازم أبدا * كما الغنى أبدا وصف له ذاتي وهذه الحال حال الخلق أجمعهم * وكلهم عنده عبد له آتي فمن بغى مطلبا من غير خالقه * فهو الجهول الظلوم المشرك العاتي والحمد للّه ملء الكون أجمعه * ما كان منه وما من بعد قد يأتي وأما تجريد رؤية الفضل : فهو أن لا يرى الفضل والإحسان إلا من اللّه ، فهو المانّ به بلا سبب منك ، ولا شفيع لك تقدم إليه بالشفاعة ، ولا وسيلة سبقت منك توسلت بها إلى إحسانه . والتجريد : هو تخليص شهود الفضل لوليه ، حتى لا ينسبه إلى غيره . وإلا فهو في نفسه مجرد عن النسبة إلى سواه . وإنما الشأن في تجريده في الشهود ، ليطابق الشهود الحق في نفس الأمر . واللّه أعلم . الصلاة وعدم الخشوع فإن قيل : ما تقولون في صلاة من عدم الخشوع : هل يعتد بها أم لا ؟ قيل : أما الاعتداد بها في الثواب : فلا يعتد له فيها . إلا بما عقل فيه منها . وخشع فيه لربه . قال ابن عباس رضي اللّه عنهما « ليس لك من صلاتك إلا ما عقلت منها » . وفي « المسند » مرفوعا « إن العبد ليصلي الصلاة ، ولم يكتب له إلّا نصفها ، أو ثلثها ، أو ربعها - حتى بلغ عشرها » . وقد علق اللّه فلاح المصلين بالخشوع في صلاتهم . فدل على أن من لم يخشع فليس من أهل الفلاح . ولو اعتدّ له بها ثوابا لكان من المفلحين . وأما الاعتداد بها في أحكام الدنيا ، وسقوط القضاء : فإن غلب عليها الخشوع وتعلقها اعتد بها إجماعا ، وكانت السنن ، والأذكار عقيبها جوابر ومكملات لنقصها . وإن غلب عليه عدم الخشوع فيها ، وعدم تعقلها ، فقد اختلف الفقهاء في وجوب إعادتها . فأوجبها أبو عبد اللّه بن حامد من أصحاب أحمد ، وأبو حامد الغزالي في « إحيائه » ، لا في « وسيطه » و « بسيطه » . واحتجوا بأنها صلاة لا يثاب عليها ، ولم يضمن له فيها الفلاح ، فلم تبرأ ذمته منها ، ويسقط القضاء عنه كصلاة المرائي . قالوا : ولأن الخشوع والعقل : روح الصلاة ومقصودها ولبّها ، فكيف يعتدّ بصلاة فقدت روحها ولبّها ، وبقيت صورتها وظاهرها ؟ قالوا : ولو ترك العبد واجبا من واجباتها عمدا لأبطلها تركه . وغايته : أن يكون بعضا من